الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
130
نفحات الولاية
بل ورد في بعض الروايات أنّ أبا بكر قال : « أقيلوني ! فلست بخيركم وعلي فيكم » « 1 » ، فبالنظر إلى ما أوردنا من محكمات التأريخ والأخبار ، يمكن القول بأنّ الإمام عليه السلام أراد أن ينفي عن نفسه في هذه الخطبة رغبته بمسألة الخلافة ، ويكشف عن ذروة تواضعه في هذا الأمر ، كما أراد أن يفهم الامّة التي أصرت على البيعة انه ان ولي أمرها فسوف لن يسير بتلك الأساليب الخاطئة ، وليس أمامه سوى سلوك سبيل الحق واحياء عصر النبي صلى الله عليه وآله ، وأنّ أثار ذلك حفيظة البعض وأدى إلى إنزعاجه ، ليؤدّي به ذلك إلى رفع راية المعارضة والوقوف بوجه الإمام عليه السلام . وعلى هذا الضوء لا نرى هناك من حاجة لأن نبحث في هذه المسألة ، هل الخطبة دليل على عدم النص على الإمامة ، أو القول بأنّ معيار الإمامة والخلافة إنّما يكمن في آراء الامّة لاغير . وذلك لأنّ هذا القول إنّما يصدر ممن اكتفى بالنظر إلى ظاهر الخطبة ، واغمض عينيه عن جميع القرائن التأريخية وسائر كلمات الإمام عليه السلام في نهج البلاغة . 2 - لم لا يتحملوا عدالة علي عليه السلام ؟ لاشك أن بيعة علي عليه السلام - وطبق أقوال جميع المؤرخين - كانت الأعظم والأكمل بيعة ، ولا سيما مقارنة ببيعة السقيفة التي لم تتجاوز بضعة أشخاص ، وقد استندت بيعة عمر إلى وصية الخليفة الأول ، كما تمت البيعة لعثمان بثلاثة آراء من تلك الشورى المؤلفة من ستة أعضاء ، أمّا البيعة لعلي عليه السلام فقد تمت من قبل جميع أبناء الامّة ، مع ذلك كان الإمام عليه السلام مكرها على قبولها بسبب تلك الظروف الصعبة والملابسات التي عاشها المجتمع الإسلامي من جراء سياسة الخلفاء ، فقد أورد المؤرخ المعروف ابن أثير في الكامل بهذا الشأن قائلًا : أتى المصريون علياً عليه السلام بعد مقتل عثمان وقال بعضهم لبعض لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الامّة . فغشى الناس علياً عليه السلام بعد أن باعدهم وقالوا له : نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى . فقال علي عليه السلام : « دعوني والتمسوا غيري فانا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولاتثبت عليه العقول » . فقالوا :
--> ( 1 ) إحقاق الحق 8 / 240 .